حسن بن عبد الله السيرافي
101
شرح كتاب سيبويه
المخاطب فيما يحدثه وإن لم يكن بعدها منادى كقولك الشاعر : يا لعنة اللّه والأقوام كلهم * والصّالحين على سمعان من جار " 1 " كأنه قال : لعنة اللّه على سمعان ، فدخول يا كدخول ألا للتنبيه في هذا الموضع . " وأما من فتكون لابتداء الغاية في الأماكن ، وذلك قولك : من مكان كذا إلى مكان كذا ، وتقول إذا كنت كتابا من فلان إلى فلان ، فهذه الأسماء سوى الأماكن بمنزلتها " كأي بمنزلة الأماكن " وتكون أيضا في التبعيض ، تقول : هذا من الثوب وهذا منهم ، كأنك قلت بعضه وبعضهم ، وقد تدخل في موضع لو لم تدخل فيه كان الكلام مستقيما ، ولكنها توكيد بمنزلة ما ، إلا أنها تجر لأنها حرف إضافة وذلك قولك : ما أتاني من رجل ، وما رأيت من أحد ، لو أخرجت من كان الكلام حسنا ، ولكنه أكد بمن لأن هذا موضع تبعيض ، فأراد أنه لم يأته بعض الرجال والناس " . قال أبو سعيد : وقدره بعض النحويين عليه ، فقال : إذا قلنا ما جاءني رجل احتمل أن يكون واحدا وأن يكون للجنس ، وإذا دخلت من صارت للجنس لا غير . قال أبو سعيد : وليس ذلك بمفسد لكلام سيبويه ، لأن المتكلم إذا قال : ما جاءني رجل يجوز أن تنفي الجنس بهذا اللفظ كما تنفيه بقوله : ما جاءني أحد ، فإذا أدخل من فإنما يدخلها توكيدا ، لأنه لم يتغير المعنى الذي قصده بدخول من ، وإنما تزاد من ، لأن فيه تأول البعض ، لأنه قد نفي كل بعض للجنس الذي نفاه مفردا ، كأنه قال : ما جاءني زيد ولا عمرو ولا غير ذلك من أبعاض هذا الجنس . " وكذلك ويحه من رجل إنما أردت أن تجعل التعجب من بعض الرجال ، وكذلك ملؤه لي من عسل ، وكذلك هو أفضل من زيد " وشر من زيد " إنما أراد أن يفضله على بعض ولا يعم ، وجعل زيدا الموضع الذي ارتفع منه أو سفل منه في قولك : شر من زيد " . قال أبو سعيد : الأولى في هذا أن يجعل النفي من الباب ابتداء الغايات لأنه إذا قال : هو أفضل من زيد فقد ارتفع عن زيد وعن مكانه ، فارتفاعه عن محل زيد هو ابتداء ارتفاعه حتى يفضي بذلك إلى أنه أفضل من كل من محله كمحل زيد أو دونه ، لأنه ارتفع عن ذلك المكان ، وللمعترض أن يقول : إذا جعل هذا تبعيضا فقد تقول : هو أفضل من
--> ( 1 ) انظر المفصل 2 / 24 ، مغني اللبيب 2 / 373 ، الهمع 1 / 174 ، الدرر اللوامع 1 / 150 .